ميدان طلعت حرب
شعر / أسامة الحداد
كل لحظة يلتهم الميدان الصغير السيقان و الروائح العابرة من الشحاذين و أصحاب السيارات الفارهة .... البسطاء و أصحاب الأزياء الرسمية و أنا أفكر في اقتناص ملامحي من العابرين فكثيرة هي الأماكن التي لا أملك العودة إليها فالميدان الصغير أرحب من بيتي القديم وألعابي الصغيرة من فناء المدارس و الكراسات و من حنين لا يعاودني لشرفة باهتة كنت أترك روحي كفرسان الأساطير علي سياجها و من أناشيد ضاعت حروفها وطوابير الصباح
ها هنا الميدان و طلعت حرب يقف وحده في المنتصف تماماً بوثيقة
متحجرة وعينين تشبهان نجمتين انتحرتا تحت ضوء قمر غائب
هنا يمكن أن أقابل صديقاً مات منذ سنوات و نتصافح متذكرين امرأة خدعتنا كنا نعاشرها معاً وزجاجات احتفت بنا و تجرعت أشباحاً كنا ننتظرها ثم أمضى دون أن أتذكر أين رأيته من قبل لنتحرك في اتجاهات متضادة لشوارع تفضي إلى ميادين أكبر وبارات صغيرة نخطو من أمام جروبي حيث أصحاب الياقات الأنيقة و مدبولي بالكتب آلتي لا نعرف أصحابها
هنا كل الأشياء يمكن ألا تحدث و يحتمل كذلك وجود مفاجآت هائلة عشوائية وشاذة فعبر سنوات طويلة و نحن نجتازه دون أن نمسك لحظة واحدة منها أو نحدث صاحب الطربوش عن إمكانية عودة العمال إلى فوهة ماكينات تغنى لهم عن الدم والنار بما يشبه قصيدة لناظم حكمت
ووحده الرجل ذو اللحية بمكبر الصوت يفتح ذاكرة العابرين وحوله المارة من العابرين و السائحات بالنهود المستديرة والنساء بالعجائز التي تكمل السراويل جنونها
... انظروا إلى هذا البنطال أنه يظهر الحافة السفلي لسروال من النايلون يهتز داخله لحم طرى يبدو أن آخرين التهموه من قبل وجندي المرور يحملق في منتصفه تماماً تاركاً سيارة تقطع الشريط الأبيض وتتفادى فتى يقبض على يد مخادعة
هنا ميدان طلعت حرب الذي يجمع الباعة الجائلين و أثرياء الحرب .. المثقفين ... رجال الخصخصة و المعارضة الأنيقة لاغتيال أبرياء شاهدنا موتهم على شاشة التلفاز كاحتفال بضحية ومهرجان للقتلى أو رسالة ترحيب بقبور جديدة تبتسم للأبرياء وحدهم وتفتح للمهمشين أحضانها
هنا ميدان طلعت حرب نقطة صغيرة في مدينة جائعة لا يظهر على خريطتها بالنقوش القليلة كالندوب على واجهات المباني ......
انظروا أنها تلوح كطلل يبتسم أو باقي الوشم في ظاهر اليد كبقايا معبد قديم في صحراء شاسعة رمالها رجال برؤوس صلعاء و ملامح متطابقة تتأمل واجهات المحلات والعيون الشرهة لكشافات الإضاءة آلتي لا تفتش عن غزالة هاربة أو شجرة سنديان تتآكل ذاتياً في حديقة سابقة روت حكايتها صفحات من كتاب قديم عن أميرة نامت بجذعها و عجوز بأسنان خشبية وضعت طلاسمها بجناح عصفورة أكلها نسر جائع ينتظر صياد لا يجئ كشافات الإضاءة ليست مخبرا يتسلل لأفكار معارض ويجبره على إنكارها برغم أنها تقيد العابرين بحبال من الأضواء الكاشفة و تتأمل المارة مثل واش محنك
هنا ميدان طلعت حرب حيث كورنيش النيل على بعد أمتار و خلفه ينام النهر تحت تأثير مخدر موضعي ملتحفاً بالجسور و الفنادق العائمة دون أن يسمح لصورتي أن تطل على محياه أو لعاشقين حق العبور إلى ضفته الأخرى في مركب صغير فهل كان النهر مستيقظاً حين غنت له أم كلثوم أم فتياً وثائرا حين اصطفت حوله أشجار التوت وألقت ضفائر الصفصاف أنوثتها على يديه وهنا لا نرى مئذنة الحسين أو مسجد السيدة ولا نشتم رائحة البخور والتوابل فكيف انصهرت الأباريق النحاسية وتحركت التماثيل الخشبية فوق أرصفة هاربة من جوار ثائر لم يغتال عنوة فدائماً هناك من يكتشفون أنواع مميزة من الموت كهدية لأعدائهم وعلامة أبدية على المحبة الكاملة ومن يظنون أن موتهم حيوات لأحبتهم
هنا ميدان طلعت حيث تبدو الجموع العابرة كأشباح تخرج من السراديب و السيارات كأبسطة سحرية وهى تهرب من مدرعة تملأ المكان
و أنا أمشي فوق خطوات ضائعة لغائبين لا أمتلك حق رؤيتهم أيمكن استعادة من مضوا العثور علي ذواتي السابقة والأيام آلتي فقدتها في رهانات فاسدة وألعاب لا فائدة منها فهنا تبدو الاحتمالات متاحة وضائعة في ركام الخطي وتلال الأصوات التي نعجز عن رؤيتها وهى تعيد رسم الدائرة وتقترح منافذ بديلة و شوارع أكثر ليونة وطيبين لا ترهقهم الكوابيس أو يخسرون أعمارهم في مغامرات بائسة كان لابد منها
أيمكن لنا أن نتذكر أن طلعت حرب كان يهتف في مظاهرة و حوله العملاء و المرتزقة و تركوه بين العصا الكهربائية وبيادات الجنود ؟ قبل أن ترتل ساحرة عجوز بتمائمها على الماء وترشرشه ... من يومها صار هذا التمثال الذي يتجول في الليل باحثاً في الأركان الخفية لميدانه عن قلبه الذي انتشله لص في الزحام و ذاكرة لا يملك تحديد أوصافها سقطت من رأسه
هنا ميدان طلعت حرب دائرة من الحجارة و مصب لمتاهات تفضي إلى متاهات آخر و شخص ما ينعطف يميناً قادماً من أقصى اليسار قبل أن
يجلس في الوسط تماماً ليبدأ حوارٌ عن شاعر مات تحت عجلات سيارة عسكرية منذ ما يجاوز ثلاثين سنة
هنا لا يلوح قمر مكتمل و لا تتجول الشمس في الشرفات ....الميدان لا يسع أطفالاً يلعبون و لا يسمح لفتيات بملابس النوم أن تقفن في الشرفات ليضحكن من مراهق خجول يمر بنظرات مرتبكة وخطى لم تعرف ثقتها هنا لا ينشد مدفع الإفطار تواشيح رمضان ولا يتجول منشد عجوز بآلة شعبية يردد معها حكاياته بكلماتها الساذجة ..لا يوجد مقهي لتجربة أحجار النرد و افتقاد ما خسرناه بالفعل في رمية خائبة فخطوات قليلة في الاتجاهات المضادة للدائرة المفتوحة تعطينا كل ذلك فالرجل الواقف في المنتصف على القاعدة الخرسانية حدد شروطه الصارمة و أجبرنا عليها أو خضع مستكينا لتسلط الميدان وطغيان الجغرافيا بقدرتها على فرض تفاصيل صغيرة كحقائق لا يحبها و دخان السيارات يغطى الجثة السمراء و الحشرات الصغيرة تتنزه على حلته قبل أن يغتسل في المساء بخراطيم من المياه كفيل عجوز لا يجد نهاية للغابة الشاسعة .....
هنا تترك اللعنات رنينها في فضاء محاصر بأضواء النيون وهراوات الجنود بالخطى الرسمية الواثقة من انتصارها الأبدي علي الحناجر المتعبة...
هنا الرجل الذي ترك المشيعون جثمانه فوق القاعدة الرخامية البيضاء تاركين لنا حق إعلان وفاته ومنحه بطاقة للرقم القومي تمنع رجال الشرطة من اقتياده للمخفر كل ليلة وليشغل وظيفة علامة مرور في ميدان تخترقه الشوارع وتتخطفه الاتجاهات دون تحديد راتب أو التفكير في الظلال آلتي اغتالتها السيارات الطائشة والأشباح آلتي تتحرك بلا غاية أنا مثلاُ اختلسوا ظلي في صيف ما بعد أن رافقني سنوات وتكرر ذلك كلما نبت ظل بين قدمي أو خرج شبح من ملابسي آه أيها الميدان كيف تنشل السنوات دون أن يتوغل البياض في رأسك أو تصاب بالصلع أنت محتفظ بشباب لا حاجة لك به كن شيخاً مرة وتحدث عن ذكريات كاذبة ولا تترك العابرون يحددون المواقيت ويسرقون الهواء من رئتيك كن متهوراً وواجه ببندقية فارغة تلك الرؤوس الجوفاء آلتي لا أحلام لها وتمر دون التفات للواقف في منتصفك .
هنا ميدان طلعت حرب الذي يمكن أن يقودك إلى الآتيلية أو زهرة البستان ومحطات مترو الأنفاق حيث الروائح الكريهة لأجساد متشابهة بلا
رؤوس تقريباً و الصوت ذو النبرة المحايدة يعلن عن نعش قادم لأشخاص تصطف على طوار ضيق و تتناثر من الأبواب في محطات قادمات دون أن يعرف أحد من أين جاءوا ولماذا يذهبون ....
هنا تبدو بعض البنايات كمثلثات هائلة كنماذج صغيرة لأهرام من المطاط فقدت ملوكها و أكلت نقوشها على مائدة العشاء ربما قلت ذلك من قبل عن دائرة لا تؤدي إلى شئ و لا تجد بها عربة يد صغيرة لبائع فول أو مطعم يقدم الكشري و يقف في منتصفها رجل لا يشبه العابرين فهل قلت أن التمثال ليس مرآة و بلا ظل و ملامحه التي اختلسها قاطع طريق تباع على الأرصفة في الشوارع المحيطة كدمية يلهو بها الصغار ويقذفونها بعيداً حيث لا أراها
أن ميدان طلعت حرب ليس محايدا تماماً ويعامل خطواتنا كنباتات ضالة أو أوراق تحركها العواصف و ينتظر المساء حيث تختفي غابات الملابس التي تلتف حوله و يصبح مرور علبة معدنية بتهور غير مزعج و تتساقط الحروف آلتي لوثت أذنيه ليلتفت الواقف في وحدته كخيال حقل بانتظار أجنحة لا تحلق هنا
و وحده يقف كشجرة كافور نبتت في البحر أو ديناصور اختبئ في كتب الجيولوجيا مليون سنة خرج فجأة و عجز عن عبور الطريق إلى أن تجمد نتيجة لثبات الجغرافيا الوصفية للميدان عبر ما يزيد عن سبعين خريف لقد تصوره البعض هكذا و صمموا علي روايتهم آلتي أتتشكك في صحة أجزاء كثيرة منها نتيجة لتواتر الألفاظ من رواة يتحركون في المقاهي القريبة وبعضهم كان ثملاً إلى حد ما ومتماسكاً فالسيجارة هي التي كانت ترتعش بين أصابعه والماء المتساقط من كأسه سببه وجود ثقب هائل في الزجاج وهذا لا يعني أن تلك الروايات ملفقة أو يحتمل كذب أحداثها فطلعت حرب بوقوفه في الميدان هذه السنوات الطويلة منح الآخرين حق البحث عن موعد وصوله وكيفية صعوده للمنصة ...إصراره على ملابسه التي لم يجددها كشحاذ محنك أو تاجر بخيل
ومثل أكمنة لقناصة مأجورين أو قوادات يسيطرن على الغواية تلتف أشجار الفيكس في خطة حصار محكمة تساندها السلاسل الحديدية الغليظة التي تحدد معتقله الأخير بدائرة صغيرة تتوسط ميدان لم يؤسسه لتطرد فكرة الجلوس معه في مقهي زهرة البستان لنلعب النميمة و نمارس النرد وننتظر أمنية محرمة بإزالة العتمة و نغني مع ريتسوس سوناتا ضؤ القمر
دعني أذهب معك أيمكن أن نغني معاً بيننا أكثر من سبعين سنة لا تخفيها البنايات الأسمنتية و لا يراها الموظفون الرسميون بيننا عقود من الأعوام لا تصلها طلقات جنود الحراسة فدعني أذهب معك حيث لا ينتهك
الإسفلت أقدامنا و لا تأكل الأرصفة ملامحنا هناك بعيداً حيث ترقص المومياوات على موسيقي سنوحي وأغنيات شيستر بيتي ويطلق الأطفال عصافير من الصلصال دون الدخول في تجربة دعونا الرب أن يوقعنا فيها وسط الشوارع المزدحمة التي لا تؤدي إلا إليك
هنا ميدان طلعت حرب الذي لا تعبره الحافلات العامة التي احتفظت بالطيبين طويلا كمقاعد مهشمة لجلوس المتشردين الحافلات المزدحمة لا مكان لها هنا ومحطات الباص بحاجة للسير بعض الوقت و طلعت حرب لم يفكر في الذهاب معي وهو يمارس بطالته ويقف صامتا أمام حراسه كأسد أسير في حديقة حيوان مفتوحة وينظر بعينين فقدتا لونهما لمكتبه البعيد حيث تتحرك العرائس الخشبية في عرض درامي مخصص للغائبين و تصمت الموسيقي التصويرية تاركة مساحة هائلة للصمت يقص خلالها حكاية السكون وجدوى الأستاتيكا كأسطورة ينشدها راوية أخرس وسط عاصفة من الخماسين أو نغمات قادمة من أزمنة مجهولة تفتت في الهواء وهي قادمة إلينا كأغنية هربت من كلماتها المبهمة أن مكتبه ليس غير جرح عميق يتسلل من جسده وهو ينعى ملابسه وسماءه القديمة التي لا تصلح كإطارات لسيارات واطئة أو إسفلت مهلهل هذه السماء التي لم تدرك تحول الميدان إلي جنازات لأشباه يتحركون كالمرايا وهو يقف فوق رخام مسمم بثياب تشبه سجنا مثمر بالموت ترسل رياحها الفاشلة فمن يتذكر الرجل الإيطالي وهو يرسل مساعده لإعداد حلة تليق بوقار مهرج أخرس ترك طبلته بعيدا و ألقي بمقاعد المتفرجين في قبو بعيد لا تحركه لذة خفية أو يثيره حنين يلتهب .... لم يكن صانع الملابس النحيف بعيدا عن مقره الأول و لا كهفه الجديد وفشل مرات عديدة في تقديم قميص بشلالات من الألوان أو بنطال فضفاض من الجينز ولم يعد لمحله ثانية في إصرار واضح على فقدان الذاكرة ومنح الآخرين فرصة إعداد نظريات للغياب ودفتر مخصص للانصراف فقط خالياً من أختام بصورة طائر محنط
هنا ميدان طلعت حرب حيث أكل الهواء الطائرات الورقية وتبخرت رؤوس عديدة من فوق رقاب أصحابها وربما تبدلت دون أن تنتبه المرايا للملامح الجديدة وتدرك أن الأشباح يسرقون رؤيتها ويضربون عيونها بمسخ تخافه وأزمنة لا تلتقطها تتسرب في أرضية الميدان و واجهات البنايات قبل أن تطمسها دهانات مشوهة
هنا ميدان طلعت حرب ( ناس من بلدنا هناك أهم ) دعهم يمرون كأشباح لماض ينزف هواءً
ساخناً يدفعهم إلي جمرة هائلة أو لمتاهة يوقعهم بها حضرة الأراجوز
علي جسد موسيقي أعمى وشاعر بدين دع الليلة تمضي بلا جمال مزينة بالأعلام والبالونات أو حلوى من الحمص دعهم يذهبون بعيداً فبالقرب من هنا يجلس المناضلون القدامى من رجال التطبيع و السلامة أصحاب الياقات البيضاء لاحتساء خمور مستوردة وإطفاء سجائرهم الأجنبية في أجساد المارة وهم يقدمون إشكاليات جديدة كمقدمات لنتائج أو نتائج لمقدمات عن صراع بلا نهاية و نهاية بصراع دون يلتفت المخرج الجالس بعيداً إلي أهمية تسجيل الحدث كمشهد أخير في فيلم قديم لم ينتظر فشله و اغتيال المنتج بتحريض من دائنيه يمكن للمخرج أن يستعيد عدساته المهشمة ويضع كلمة بديلة للنهاية قبل أن يلوح بيده تاركاً رأسه فوق المنضدة وعينيه جوار نظارتيه في تحد واضح لكاتب السيناريو ومقص الرقيب دون أن يفكر المنظرون في استعادة الموتى أو ينتبهون للأحداث الجارية
هنا ميدان طلعت حرب الذي لا تصلح بوصلة للوصول إليه و لا تحدد الخريطة شكله الدائري الذي يبدو كثقب هائل في مجرة أو عين واحدة لمدينة عوراء تقيدها الجسور ويتحرك سكانها في السراديب كقوارض هاربة تفتش عن حياتها بين الكلاب الضالة والنظرات المصابة بالسعار للأبواب وهي تنغلق علي أعناقهم
الشوارع تتداخل هنا كالكلمات المتقاطعة و الأشخاص حروف دونت علي سبيل الخطأ في مربعات مشوهة بجريدة لا تحمل أخباراً جديدة عن مقتل مجهولين في حوادث عادية و انسياب الدم كعلامة بشرية علي الموت
الشوارع تتصارع علي جذب القاعدة الرخامية إليها و إلقاء التمثال بعيداً كانتصار زائف يخبئ هشاشتها و ينهي اختراق السيارات الطائشة لإشارات المرور آلتي تمنع عبور خطوطها البيضاء و تؤكد أن العربات الواقفة على الجانبين لا تتحسس جسدها المباح و لا تخلع الظلال المستترة خلفها آه أنها تقدم وجوه قديمة في ثياب أخرى و أناشيد مكررة في إيقاعات أكثر ضجيج
الشوارع تبدو كأطراف صناعية لقتيل تركت جثته في الفضاء وقيدت الحادثة ضد مجهول يعرفه الصامتون ورجال الشرطة و تحتفظ كما أظن بملامحه وهو يمضي واثقاً من براءته لقد عبرت أنا كذلك بجواره دون أن أفطن لرائحة الموت التي لا يملك الفرار منها فلماذا تقف هنا أنت لست قاطع طريق ولا تنتظر ملائكة يعبئون أجولة قديمة بأنفاس مجهولة تاركين للجنرالات وحدهم حق تحديد أصحابها والإعلان عنهم فلماذا لا تريح ساقيك ألا يوجد مقعد يصلح لك أو فرش ملائم لجسدك أم تفتقد مثلى ليقين يحدد وجهتك و رؤية تسعى وراءها في شوارع محايدة ومباحة لإطارات السيارات والأحذية ومشوهة بالرؤوس الصلعاء والمتشردين تقودنا إليك أيها التذكار الخالد والحجر الصامت كيف تخبئ السكون و تختزل الوقت في ثياب كلاسيكية و غطاء رأس يخبئ الرأس المحرضة لعمال يتساقطون تحت هراوات الجنود وتلقيهم الشوارع ككدمة في جسد الفراغ أو ندبة هائلة تشوه هواء يتحرك دون وجهة محددة ويترك رجلا في منتصف العمر يصادق سيدة تصغره بأيام يتجولان وحيدين وسط الجموع العابرة في علاقة لا يعرفان كيف تنتهي ... ويتخيلان طفلا يسير بينهما يمسكان به إلى مدرسة صغيرة وحين يكبر قليلا يصنع دائرة يسميها ميدان ليلعب بها لعبة التمثال والعابرين و يضع مؤسسة لأحلام هزيلة تأكلها الطيور المهاجرة في الشتاء وتعود على طائرات الأباتشي وهى ترقص لمغانمها وتضحك من احتلالها لميدان سيمون بوليفار ببيادق من لحم ودم تتحرك وفق رغبتها هكذا يحلمان دون أن يبدأ الليل خطواته الثقيلة وينتظران نهاية لمأسوية يعيدان وفق قواعد الإيهام تحريكها علي أرض الشارع كتكرار لمحاكمة حوريس وست قبل اختفائهما الغامض في شوارع المحروسة منذ أكثر من سبعين قرن بعد أصابتهما بعته الشيخوخة كنتيجة طبيعية لثمانين عاما من الجدال دون أن يفكر شخص ما في البحث عن عدوين يتعايشان معاً ويضلان في الشوارع سوياً... أنا كذلك أفتش عنى وأبحث عن أحلام لا حصر لها تساقطت منى
كيف تقف وحيدا في ليالي الشتاء التي أشعر برطوبتها تتسلل إلي عظام ساقيك حاول إذن أن تترك المنصة الرخامية الباردة وتجرب السير معي إلي دار الأوبرا الجديدة ...هل تعرف مكانها وأنت مثبت في دائرة من الإسفلت في موقع المحارب الفرنسي تفكر كما اعتقد في تداعيات الخصخصة وإمكانية استبدالك بجندي من البرابرة الذين انتظرهم كفافيس يوجه فوهة مدفعه إلي رأسي ويضع أحلامه في جهاز الرؤية الليلية لضخ كوابيس أشد رعباً في رؤوس البسطاء عن تحول الميدان المستدير إلي مشنقة أو استبداله بكرة هائلة من الجحيم تتدحرج في الشوارع التي تقود إليك و كمنتج لأفلام الرعب يقدم إثارة أكثر باقتلاع بعض الرقاب السمراء تاركاً الرؤوس تتدلى من أيادي أصحابها كالحقائب الفارغة
أيها الشيخ الطيب تحدث معي قليلاً عن أسباب التضخم وانهيار سعر الصرف .... صفوف العاطلين وإضرابات العمال عن الموجة الجديدة لأفلام السينما و حركة العدسات علي وجوه المتعبين اعطني فرصة للحوار عن شجرتين هائلتين تقفان في ميدان التحرير تلاعبان حبال الغسيل وتخفيان ظلالهما عنا حاول أن تجرب تعاسة بديلة وروائح مختلفة عن عوادم السيارات والتبغ الردئ يمكن ذلك بسهولة داخل بارستيلا أو مطعم الجوريون حيث تتساقط التحفظات تباعاً و تبدو النفوس أكثر عرياً من أصحابها وهم يواجهون أشباحهم ويكتشفون ذواتاً بديلة لا تصلح لارتداء
ملابسهم أو التحرك بخطي واثقة نحو كسلهم و تنظيراتهم التي لا تصلح لإضاءة مصباح مهشم يقف علي ناصية معدة للمراهقين يمكن تذكر ذلك و أنا أعبر مع حبيبتي بين وجهها الملائكي وعبيرها الدافئ والتوتر أيضاً من أنوثتها الناضجة أنني مرتبك تماما أمام خلافات لابد منها وأطفال ينتظرون عودتي فكيف تأخر لقاءنا كل هذه السنين عد أيها الوقت و تراجعي للخلف يا عقارب الساعات وأذهب أيها الزمن بعيداً لتنكسر أخطاءنا وتنصهر التجاعيد آلتي ورثتها عني وتمسك كفي بغمامة صيفية ويمتلئ جيبي بالنجوم والشموس الصغيرة وكيف نلتقي دون أن نحدد مواقيت فراق قادم .....
ها نحن نمضي ونعود و صوت احتكاك الإطارات بالإسفلت يحقق انسجاما مع بائعات المحلات و الأطفال المتسولين و هم يجذبون ملابس المارة و يقذفونهم بأدعية شريرة ومناديل ملوثة بالبياض كعيون من المياه
الجافة تزدرد القادمين ها نحن نسير معاً هي جانبي خرافة تأسرني و فيض من الحنين لا تحتويه العبارات و أنت شاهد على ذلك أيها السيد الواقف على قاعدته الرخامية البيضاء بانتظار مناخات جديدة وزي مناسب لسيارة شيروكي تلائم لقب الباشا كمصطلح مغاير لأصحاب المعالي من اللصوص و الباعة الجائلين و أصحاب التنظيرات الصالحة للغبار فهل تلمح تلك الفقاعة الهائلة ... انظر أنها الشمس و قد أطلت بشغف علي أشباح الليل وكائنات النهار على حيوات قتيلة تخطو جانبنا
أيمكن أن نتحاور معاً أن نقف جانباً بالأسئلة الحائرة عن تمييزك بين الصيف والسيارات بين الكتب المستريحة عند مدبولي والمومسات علي ناصية شارع قصر النيل ... كيف امتلكت ساقيك القدرة على الوقوف صامتاً ومانحاً ظلك لجروبي دون أن تفكر في احتساء فنجان من البن علي مقعد جانبي فيه من المؤكد أن وقتك مزدحم بأعمال لا أعرفها شغلتك عن ملاحقة فتاة تطاردها السيارات الفاخرة بوم ... تك ... آه المشاجرة التي دبت بين سيارتين مع صوت ارتطامهما قطعت حوار من طرف واحد وجندي المرور يحدث عجوزا تقف بسيارتها جانبا ممسكا بجنيهات قليلة و دفتر لقيد المخالفات ..أيمكن أن تجيبني ...أركب سيارتك أنها سليمة و لم يحدث شيئا و المتفرجون يلملمون خطواتهم بعيدا وتتناثر أصواتهم في ضجيج وسط القاهرة كل من يركب سيارة يفعل ذلك و لا يعبأ بمشاعر الآخرين الأصوات غير مميزة والحروف تتداخل بينها أصوات مكبرات الصوت وتوسلات الشحاذين والعابرين بالملامح ذاتها مع اختلاف في حجم الرؤوس والملابس والسيارات تراك..تراك.. توت سيارة شبح يقودها مراهق تصعد الرصيف وتعاود النزول وهو يقهقه ساخراً من المارة وأنت تقف دون سيارة كاديلاك يتقدم سائقها منحنياً لتركب في المقعد الخلفي أكنت تفعل ذلك ؟ قبل أن تعمل كعلامة مرور هائلة في ميدانك الصغير وحولك متاريس الشرطة ومصفحاتها ..عمال النظافة بزيهم الرسمي وعربة القمامة الأنيقة تكمل بفرشاتها الآلية أعمالهم تاركين لي مساحة صغيرة للحوار مع حبيبتي حول روعتها و سنواتنا الضائعة ونحن نعبر الميدان بعينيها الوديعتين بالطيبة ذاتها التي تصنع خلافات تنتهي وتعود نسير معاً في شارع يحمل اسمه متجهين إلي محطة المترو في لقاءات واضحة الهوية ومحبة كاملة للجنون
هنا ميدان طلعت حرب حيث عبرناه معاً تاركين عاصفة حمقاء ومواكب من الكوابيس ترتطم معاً حول الواقف وحده كملك مخلوع أو قائد عسكري خدعه الجنود مع الطلقة الأولي ومنحه

المنتصرون عفوهم
ألم أقل لك أن مقهى زهرة البستان يمكننا العودة منه في ثانية أنت إلي معتقلك و أنا على حافة الطريق بين أطياف كنتها وشخص أخر سأكونه أنا دائماً ذلك الأخر و أنت لا تعبأ بي الأرقام وحدها مجدك وهزيمتك وجثمانك الواقف كذلك....و أنت تحصي العابرين دون أن تحدد طبيعة العلاقة بين رقمين يعبران متجاورين في تحد واضح لنرجسية العزلة و شرور الأشباه لخطوات بلا أجساد وأسقف واطئة لا تظلل أحدا ولا تمنح طيورها المصابة بالكساح حق الموت في وداعة فوباء النوم الذي أصاب ماكندو ليس استثناءً والأسماك الملونة لا تحلق حول الرؤوس المعلقة ولا تسمح باصطيادها .. انظروا لقائدي السيارات في نعاسهم و المارة وهم يخطون بأجفان مغلقة وأنت تملك مفاتيح مدينة بديلة تخفيها في جيب سترتك منذ أكثر من ستين سنة مدينة حلمت بها ليست قبلاي خان ولا القاهرة القديمة لم تخرج من كتاب أساطير مجهول المؤلف شوارعها لم تلتهم ظلا واحدا وساكنيها لم يقتربوا من مداخلها و الأطياف التي تمنحنا حق امتلاكها ليست خيالات مهووسين أو هذيان لمرضي في لحظاتهم الأخيرة والميدان يأكل أقدام أحفادهم ....
أيمكن إذن أن تمنحني حق اللجوء إليك أو توقع تأشيرة بالذهاب إلى مصطفي كامل حيث يقف الشاب النحيل في دائرة أخرى و متاهة لا تلوثها عوادم السيارات وحدها بينكما شارع طويل بين جنون الواقعية وخرافة الحلم الذين افتقدهما قصر بعيد في ضاحية مصر الجديدة لا نريد ساكنيه بينكما ما يزيد عن الثلاثين سنة من الراحة والتعب أيضاً و عابرون لا ملامح لهم والإسفلت يجذبنا من ظلالنا لنبحث عن خطواتنا المتسعة التي فقدناها ونقاط الدم التي تركها فتي أسمر و انتظرنا غابات من التوت والجميز تنمو مكانها وتظلل الواقف تحت شمس القاهرة أيها الشيخ أنت تذكر ذلك الفتى حين لجأ إليك منذ ما يقرب من أربعين سنة هرباً من الجنود في ميدان التحرير و احتفظت بجرحه ساخناً دون أن تبوح بسر بريئة تقف
بانتظاره علي الناصية وتتحرك في أماكن جمعتهما وهما يسيران معا محتفظين بمسافة صغيرة بينهما كدلالة علي فراق قريب أتذكر شتاء 1977
والورود تتفتح فوق أرصفة القاهرة قبل أن تغتال الأزياء الرسمية أحلامها
وتذبل وحيدة في الفراغ وهي تلقى نظرتها الأخيرة علي طوابير الخبز وصفوف العاطلين وكمصرفي مخضرم تزعجك تغيرات أسعار الصرف وحركة تداول الأسهم وهي تعبر من بين يديك في اتجاهات لا تعرفها وشوارع لم تخطو بها أو تتابع نقاط دم ساخنة تتقافز داخلها قادمة من جروح قديمة تعرف أصحابها فهل وضعت خطة ما لمواجهة انخفاض معدلات التنمية وزيادة معدلات التضخم والبطالة في أعمق نقطة بتمثالك لم تصل إليها ضربة أزميل النحات الذي ألقى بجسدك فوق المنصة الحجرية و تركك وحيدا في ملابس قديمة أيمكن إذن أن تتناسى الفوارق الهائلة بين الدخول وتلقى جانباً بوجوه راكبي السيارات الفاخرة وهم يطعمون كلابهم وتتجه معي إلي عربة فول يقودها شيخ في ممر جانبي شريطة أن تدفع ثمن الإفطار و تترك لأصدقائي قيمة المواصلات لاستريح من خياناتهم وتتطاير أكاذيبهم بعيدا عنا ... أيمكن أن نحتسي معاً كوبين من الشاي علي مقهي شعبي لنستنشق رائحة الجاز و الأدخنة الرخيصة و نلمح سهما يتحرك في اتجاه مغاير لتصورات الخبراء كبداية للإعلان عن بيع شركة فاسدة وانتعاش المقهي مؤقتا برواد جدد .... أيمكن أن ننسي النظرات الغاضبة بعد أكثر من ثلاثين سنة وننتظر ثيرانا جديدة تهزم المصارعين و تحطم المدرجات كنهاية لمسرحية هزلية بلا مخرج تقريبا أيمكن أن تفكر من فوق القاعدة الخرسانية في استضافة بعض الجائعين على مائدة العشاء دون أن يتسرب الملل إلى ملابسهم من حوارك حول قيمة الفائدة و ارتباكك أمام حنينهم للموت والحياة
أنني في حنين أبدي لميدانك فالعبور منه ليس لعبة أو كابوسا والشرور المعتادة ليست مشهدا سرياليا فأنا واحد من الجموع التي تجتازه أنا في الحقيقة لا شئ و أنت تدرك أن الجميع يخوضون في ظلك ولست بحاجة إلى أن تكون بائعا متجولا لتدرك الفارق بين القوميين والسلفيين أو عامل نظافة لتحديد العلاقة بين ملامح منظر اشتراكي وابتسامة متسلق يقدم عمليات اغتيال أنيقة لشركائه علي أطباق مذهبة وهو يطعم أطفالهم بالخبز والنبيذ كنبي متقاعد يبتكر ذكرياته أتدرك كم الرؤوس آلتي تقتحم دائرتك وأنك لا تصلح كحلاق للدميمات أو خبير في الرشاقة يقدم برامج لإذابة الهموم أعرف أنك تدرك كل هذا و أن حوارنا مفتوح كميدان مستدير أو خريطة خالية من الخطوط
تصبح إذن على قاعدتك الرخامية سأمضي الآن كما أتيت أمارس نقل قدمي علي الطريق للوصول للبيت فيبدو أنني صرت شخصا تقليديا له أماكن محددة يذهب إليها تصبح في ميدانك تحياتي بدون قبعة ألوح بها عليك غدا أن تتذكرني حين أمر في ميدانك تصبح بين مصفحات الشرطة و القيود الحديدية نصبح في القاهرة
كتبها عبد النبى فرج في 04:24 مساءً ::
الاسم: عبد النبى فرج
